عنف وشذوذ وتشرد وإدماج صعب التحقيق
تشرد وعنف وشذوذ ذاك حال أطفال الشوارع المتخلى عنهم من الذين رمى بهم ثقل المشاكل الأسرية إلى الهروب نحوللعيش في جنبات الشوارع والحدائق والفضاءات العامة، حيث اللاقيم واللاضوابط تتحكم في كل شيء، وبالتالي فظاهرة أطفال الشوارع المتخلى عنهم هي ظاهرة تثير أكثر من تساؤل، ومن خلال التحقيق التالي نتعرف على أسبابها ودوافعها والجهود الجمعوية الحقوقية للحد منها:
البحث في موضوع أطفال الشوارع المتخلى عنهم، جعلنا نشد الرحال نحو فضاءات خصصت لإعادة إدماج فئة رغم صغر أعمار أفرادها، حملها الزمن مالا طاقة لها به، من فقر وبؤس وتشرد وصراع من أجل البقاء، ولعل أبرز الفضاءات التي تحاول معالجة ظاهرة تشرد الأطفال هي فضاءات جمعية بيتي التي تضم العشرات من الأطفال الذين تخلى عنهم الآباء والمجتمع على حد سواء.
شددنا الرحال نحو مقر الجمعية الذي يتواجد في أقصى حدود الشمال الغربي لمدينة الدار البيضاء وبالضبط بمنطقة البرنوصي زناتة على طريق الرباط القديمة قرب خيرية سيدي البرنوصي وذلك بمنطقة شبه منعزلة عن الرواج العام، حيث يضم فضاء جمعية بيتي، الذي عرف أشغال توسعة هامة في الفترة الأخيرة بعد حصول الجمعية على هبات مالية من منظمات غير حكومية، ملاعب رياضية ومقطورات وأوراش حرفية ومقرات نوم وفضاءات خاصة بالحياة اليومية لنزلاء أثقلهم هم حياة اللاستقرار بما يحمله التشرد من أخطار ومشاكل صحية ونفسية لاتحصى.
يستقبل مركز جمعية بيتي يوميا أطفالا مشردين من مختلف الفئات والأعمار، قاسمهم المشترك البيئة المتردية والأوضاع المزرية التي عايشوها بمنازل أسرهم وذويهم، فكما كان منزل الأسرة محطتهم الأولى، كان الشارع محطتهم الثانية، وقد تكون جمعية بيتي محطتهم الثالثة، ولا أحد يدري وجهتهم المستقبلية، اللهم ما تأمله جمعية بيتي وأعضاؤها من محاولات تصحيح الاعوجاج وتقويم السلوكات المنحرفة التي تم اكتسابها خلال فترة العيش بالشارع.
فقد استقبل مركز جمعية بيتي في السنة الأخيرة" 2006" مايزيد عن 9 حالات لمراهقين أعمارهم ما بين 15 و23 سنة، جلهم من أبناء مدينة الدار البيضاء، لجأوا إلى هذا بعد حياة تشرد دفعهم إليها إما العنف الأبوي بما قد يحمله من اعتداء جسدي وجنسي، في بعض الحالات وفي حالات أخرى يكون سبب لجوئهم اليتم وتشرد الأمهات وتجاهلهن في إطار ما يعرف بالأمهات العازبات المتخلى عنهن، كما كان اليتم أيضا سببا في هروب الأطفال من منازل ذويهم، حسب ما صرح لنا "خالد" وهو طفل في التاسعة من العمر، من أطفال الشارع الذين استأنسوا بطلب الصدقات من المارة بشارع محمد الخامس وزقاقه المتفرعة عنه رفقة اثنين من رفاقه الذين يكبرونه سنا، والذين يعيشون على حرفة مسح الأحذية. مررنا أمامهم وعيوننا مركزة عليهم، فاقترب منا أحدهم وطلب صدقة حفزنا على سؤاله عن سبب تسوله، وعن أهله ومدى علمهم بأفعاله، فأجاب بسرعة قائلا "أمي لا تمانع في أن أتسول، وهي بدورها تتسول في الجهة الأخرى من الشارع"، ليمضي في حديثه قائلا "أعطني باش نشري ما ناكل"، وعدناه أن نمنحه 5 دراهم إن هو ساعدنا على سؤال رفاقه، فوافق بالإيجاب مسرعا وتوجه بنا نحو رفيقيه الذين يكبرانه ببضع سنين، فاقتربنا منهما وسألناهما عن أسباب لجوئهما لمسح الأحذية وحياة الشارع الصعبة، حيث اختصر أحدهما الجواب قائلا " خرجت من دارنا شحال هذا وماباقيش نرجع ليها"زدنا إلحاحا في سؤاله فقال
"أمي ماتت وما عندي عند من نمشي"، وهو ما يؤكد على أن اليتم وانعدام الحس بالمسؤولية لدى المربين بكون الأطفال بحاجة دائما إلى الرعاية والحنان، وخاصة إذا كان اليتم من جهة الأم حيث تقف زوجة الأب بالمرصاد لأبناء الزوج، وهي بالفعل نفس الوضعية الإجتماعية التي يعيشها أحد الأطفال الذين اتخذوا من أسوار محطة القطار الدار البيضاء الميناء سكنا لهم الذي قال لنا:"أنا يتيم وزوجة أبي توقظني في الخامسة صباحا لأجل "السخرة" وتضربني وتجوعني وأنا الآن أفضل العيش في مركز تيط مليل حيث يتوفر الأكل على العيش بمنزلنا وإن كان العاملون بمركز تيط مليل يطردونني بدورهم".
هذا ولا تقف أسباب لجوء الأطفال إلى الشارع كبديل عن المنزل الأسري عند هذا الحد بل يتعداه، كما يؤكد ذلك التقريرالأخيرالذي قدم لنا القيمون على جمعية بيتي نسخة منه، والذي يدون حالات أطفال ذوي أوضاع اجتماعية خاصة مثل انتسابهم إلى أمهات عازبات أومشردات أو متخلى عنهن، أو حتى أطفالا بالتبني، وهنا يكون الاصطدام بالواقع أقوى من أن يقبله طفل لم يخبر من الحياة إلا القليل، فيكون الشارع وجهته الوحيدة تعبيرا عن سخطه على مجتمع بأكمله.
أما عن عمليات إعادة الإدماج التي تقوم بها الجمعية لصالح مثل هذه الحالات، فقد بدأت بمطلع سنة 1996، حيث تمكنت نسبة كبيرة من المتخلى عنهم من أطفال الشوارع والمشردين من الإستفاذة من برامج التربية غير النظامية، والتدرج بأسلاك التعليم التي قاطعوها خلال فترة تشردهم أو من التكوين الحرفي والمهني، كالتدبير الفندقي وشعب الإلكترونيك، وبالمقابل يناهز عدد الفتيات النزيلات بالمركز 18 نزيلة قاصرة منهن 13 نزيلة بمقر الجمعية، و5 فتيات يخضعن للمراقبة عن بعد علما أنهن خضعن لرعاية مركز بيتي ابتداءاً من سنة 1982 بعد تشرد عمر لسنوات طوال، وهو الأمرالذي جاء بحسب تقارير الجمعية، ربما نتيجة لمشاكل أسرية وإجتماعية محضة، على أن غالبية هؤلاء الفتيات قدمن إلى المركز إما عن طواعية، أوعن طريق جمعيات متخصصة كجمعية إكرام، ومركز اتحاد النساء المغربيات، أو حتى عن طريق الأب أوالأم أو أشخاص آخرين تجمعهم بالطفل أو الطفلة علاقة قرابة.
وتتدرج أساليب توجيه هؤلاء الأطفال عبر مراحل، وبحسب الميولات الشخصية لكل طفل أو طفلة على حدة، وقد سجل المركز في هذا الإطار 46 حالة خضعت لإعادة الهيكلة السلوكية والتوجهية، بحيث يعود أغلبها إلى متابعة الدراسة إضافة إلى نسبة هامة من المدمجين في أسلاك برامج التربية غير النظامية، والدورات التدريبية والتكوينية سواء تعلق الأمر بالحرف أوالمهن أو بالأنشطة الموازية مثل ورشات المسرح والصحافة والرياضة …. وقد تم توجيه النزيلات إلى مهن وحرف تليق بطبيعتهن الأنثوية، كالحلاقة النسوية والتمريض وورشات الخياطة والطرز وغيرها من الحرف اليدوية، على أن بعض نزيلات تم بعثهن إلى مدارس تكوين الممرضات مقابل إدماج بعض في إطار برامج التربية غير النظامية التي تخولهن إمكانية مباشرة الدراسة وفق أنماط الأسلاك التعليمية، ويِؤكد التقرير الأخير الذي يقدم حصيلة عمل الجمعية، حصول البعض من النزيلات على شهادات مشرفة مثل شهادة الباكالوريا، ومنهن أيضا من لازلن يتدرجن في الأسلاك التعليمة الثانوية والأساسية.
أما عن الأوضاع الإجتماعية التي ساقت بهؤلاء الفتيات إلى حياة الشارع، فتتنوع بين عنف أسري وعنف المشغلات في إطار مشاكل الخادمات الصغيرات، أو طفلات شوارع في وضعية صعبة، أو اللقيطات مجهولات النسب، أو من أباء مطلقين، أو كونهن نتاج زواج مختلط أو هجرة سرية، وأمهات عازبات متخلى عنهن، وضحايا الاستغلال الجنسي والتشرد….
ويمكن الإشارة إلى أن أوضاعهن الإجتماعية الحالية داخل مقر جمعية بيتي ومقامهم بها بعد الاهتمام والرعاية التي لاقينها بالجمعية يحولهن من طفلات شوارع متخلى عنهن إلى تلميذات مجدات ومتدربات وحرفيات في مهن عدة كالفندقة والتمريض، علما أن أغلبهن تدخل في زمرة الوافدات على المركز ابتداء من سنة 2001، على أن السنة الجارية 2007 عرفت توافد 4 حالات ممن تتراوح أعمارهم مابين 5 و17 سنة من ذوات الوضعيات الصعبة، بحيث تعمل الجمعية حاليا على إعادة إدماجهن وتأهيلهن وتعليمهن حرفا ومهنا تلائم ميولاتهن ومستوياتهن التعليمية.
ومن جهة أخرى فقد استفاد أكثر من 97 نزيل من أطفال الشوارع المتخلى عنهم الذين تتراوح أعمارهم مابين 7 و25 سنة من برامج إعادة تأهيل وإدماج، بحيث تم إلحاقهم بالمركز إما من خلال دوريات الشرطة أو برامج الحملات التمشيطية للشوارع أو عن طريق برامج بيتي أو من طرف فريق عمل مؤسسة للا حسناء وكذا جمعية إنصاف ومراكز العلاج النفسي، أو جمعية القصبة و جمعية روابط، أو حتى من لدن أحد أفراد الأسرة.
وقد تم توجيه 15 حالة متخلى عنها من الأطفال الذكور نحو مقر جمعية بيتي، وهم من الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين 14 و22 سنة، تتنوع مستوياتهم الدراسية مابين الأقسام التعليمية الإعدادية، وبرامج التربية غير النظامية.
لكن رغم جهود الجمعية ومساعيها لمساعدة أكبر قدر ممكن من أطفال الشوارع لاتغطي نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال المحتاجين للرعاية من التشرد والجوع والحرمان والشذوذ والعنف، الذي رمى بهم إلى جنبات الأحياء والأزقة وحياة التسكع يفترشون ليلا شرائح الورق المقوى ويلتحفون أكياسا بلاستيكية تقيهم البرد والمطر، كما يتخذون من جنبات السكك الحديدية وخلفيات أسوار الميناء والمحطات الطرقية مسكنا لهم، يقتاتون على حسنات المارة والمسافرين وبيع المناديل المجففة والأكياس البلاستيكية نهارا، ويمارسون شذوذهم وعنفهم وانحرافهم وإدمانهم على الكحول والمخدرات و"السيلسيون" ليلا يتراءون لنا من زجاج نوافذ المقطورات لدى اقتراب القطار من محطته، ونلمحهم ونحن نركب سيارات الأجرة وهم يتلقون الإهانات من السائقين الذين يخافون من عنفهم وطيشهم. فهل يتواطأ المجتمع بأكمله ضدهم عبر تهميشهم وما المفهوم الحقيقي للشارع الذي أصبح ملاذا لأعداد كبيرة منهم لدرجة أن يجعلوا منه مسكنا لهم؟ وعن مفهوم الشارع يجيبنا الباحث السوسيولوجي الدكتور عبد الجبار شكري قائلا :" الشارع هوالكل الذي يمارسه الجميع دون تقاسم مرجعية تذكر، فهو فضاء عام سيكولوجي واجتماعي ينخرط فيه الجميع وبدون استثناء، على أنهم يختلفون في طبيعة علاقتهم به، وممارستهم داخله، وكذا تعاملهم معه بحسب مرجعيات معينة"، أما عن الجهات التي تعود إليها المسؤولية في انتشار الظاهرة فيسترسل قائلا:"إن ظاهرة أطفال الشوارع هي ظاهرة يتحمل مسؤوليتها المجتمع بكل مقوماته، من آباء وأولياء، إلى حكومة وجمعيات ومدافعين عن حقوق الإنسان عموما وحقوق الطفل خصوصا، فالتشرد وحياة الشارع ليست سوى خيارا أرغم عليه الطفل، نتيجة إفرازات مجتمعية غير سليمة يتداخل فيها ماهو اقتصادي بما هو اجتماعي وسياسي بما في ذلك من اختلالات في موازين القيم، وهنا أؤكد على أن مسؤولية الأسرة في ذلك جزئية ومسؤولية الحكومة كلية".
الواقع أن الوعي بأهمية التربية السليمة للأطفال كرأس مال مستقبلي يظل شبه ضعيف في مجتمع مثل مجتمعنا، على أساس أن قوانين حماية الطفولة قليلا ما يتم تفعيلها كالقوانين المانعة لتشغيل الأطفال والتي يضرب بها في الغالب عرض الحائط، فتستمر الظاهرة وتصرف الميزانيات بدافع الحد منها دون نتائج تذكر. وفي نفس الإطار يشير الدكتور شكري إلى ذلك قائلا:" أسباب تنامي الظاهرة متعددة بتعدد الحالات، لكن غالبية الأسباب تنبثق عن معضلة الأمهات العازبات المتخلى عنهن، حيث يرفض المجتمع الاعتراف بهن وبأطفالهن أو حتى الاستماع إلى معاناتهن، هذا إضافة إلى الظروف الإجتماعية والإقتصادية القاسية التي تنتج التخلي والتهميش الذي يرافقه الإحساس بمعاناة سرعان ما يخلفها نوع من الإدمان السيكولوجي الذي يسهل عملية التخلي عن الطفل المشرد تدريجيا، هذا علاوة عن الأمراض النفسية والعقلية الناتجة عن دوافع عدوانية ليبيدية تزيد من انتشار ظاهرة زنا المحارم التي يكون ضحيتها الطفل المغتصب أو المستغل جنسيا."
A.D.E.A@hotmail.fr